في أخذ الاجرة على العبادة

عدم جواز أخذ الأجرة على الواجبات، باعتبار أنّ أخذها مناف لقصد التقرب المعتبر في العبادة. وحاصل الجواب عدم المنافاة بينهما، فانّه يمكن أن يكون داعي المكلف إلى العبادة أمر الشارع بها، بحيث لولا أمر الشارع وطلبه لم يأت بها، حتى مع بذل الأجرة عليها، وإذا فرض الاتيان بها كذلك يحصل قصد التقرب ويستحق الأجرة عليها، فأين المنافاة.
الاستدلال على عدم جواز أخذ الأجرة بالمنافاة بين قصد القربة وبين الأخذ المزبور غير صحيح، بل بناءاً على ما ذكرناه في الأصول من أنّ قصد التقرب المعتبر في العبادة ليس خصوص الفعل بداعي الأمر المتعلق به، بل مطلق اضافة العمل إلى اللّه سبحانه، فتكون الصلاة على ميت بداعي الاستحقاق الأجرة المقررة بازائها شرعاً عبادة، لحصول القربة المعتبرة فيها بفرض الداعي، وهو استحقاق الأجرة شرعاً، وعلى ذلك فلو لم يلتفت الأجير إلى استحباب الصوم أو الصلاة عن الميت، بل صام أو صلى بغرض استحقاقه شرعاً الأجرة المقررة لهما، حكم بصحة عمله ووقوعها عبادة، بلا حاجة إلى حديث الداعي إلى الداعي ليقال إنّه لا يجري في صورة الغفلة عن استحباب نفس العمل أو وجوبه كما لا يخفى.

عدم جواز أخذ الأجرة على الواجب ، وهو المنافاة بين وجوب العمل ابتداءاً وتمليكه للآخر بالاجارة ونحوها، بدعوى أنّ ايجاب الشارع الفعل على مكلف بمعنى تمليك ذلك الفعل للّه تعالى، فيما إذا كان من قبيل حقوق اللّه، وبمعنى تمليكه للغير فيما إذا كان من حقوق الناس، بأن يكون ذلك العمل ملكاً لذي الحق، كما في أمر الشارع بتجهيز الميت، فانّه يثبت بذلك للميت حق على الاحياء، ومع الايجاب كذلك لا يمكن للمكلف تمليك ذلك العمل من آخر بالاجارة ونحوها، فانّه يكون نظير ما إذا آجر نفسه لدفن ميت من شخص، وأراد ايجار نفسه ثانياً من شخص آخر لدفن ذلك الميت. وهذا الوجه أيضاً ضعيف، فان الايجاب وإن كان أمراً اعتبارياً على الصحيح كالملكية، إلاّ أن سنخه غير سنخ الملكية في الأموال، فلا يمتنع اجتماعه معها.
وذكر أنّ هذا الوجه باعتراف الخصم بختص بالواجب العيني. وأمّا الكفائي فاستدل على عدم جواز أخذ الأجرة عليه بانّ الفعل متعين أي واجب عليه، فلا يدخل في ملك آخر، وبأنّ المستأجر لا ينتفع بالعمل الذي يملكه أو يستحقه غيره بايجاب الشارع، فانّه يمنزلة أن يقول للأجير استأجرتك لغاية أن أتملك منفعتك المملوكة لك، كما في الواجب من حق اللّه أو لغيرك كما في الواجب من حق الناس انتهى.
(اقول) هذا بعينه هو الوجه السابق، ولم يظهر الفرق بينهما، كما أنّه لم يظهر وجه اعتراف المستدل باختصاص ما ذكره أولا بالواجب العيني. نعم يظهر من السابق أنّ مرجع ايجاب الشارع العمل الذي ليس من حقوق الناس إلى كون ذلك العمل مملوكاً للّه سبحانه، وفي حقوق الناس مرجعه إلى كونه مملوكاً لذلك الغير، وذكر في الكفائي أن ايجاب الشارع بمنزلة كون ذلك العمل مملوكاً لنفس الأجير أو غيره، » على الأخير بأنّ العمل بعد وقوع الاجارة عليه لا يكون ملكاً لنفس الأجير، بل يدخل في ملك المستأجر إلى آخر ما ذكره. والحاصل أنّ هذا الفرق أيضاً بلا موجب كما لا يخفي.

أخذ الاجرة على الواجبات


الأمر الثالث ـ في عدم جواز أخذ الأجرة على الواجبات ـ دعوى الاجماع، فهو على تقدير تحققه غير صالح للاعتماد، فضلاً عن عدم ثبوته، وذلك لاحتمال كون مدركهم في عدم الجواز الأمرين المتقدمين أو غيرهما ممّا لم يتم شيء منها عندنا.
وذكر النائيني «ره» في المقام وجهاً رابعاً لعدم جواز أخذ الأجرة على الواجبات وإن كانت توصلية، وهو أنّ من شرط الاجارة أن يكون متعلقها مقدوراً يمكن للمكلف فعله وتركه، ومع ايجاب الفعل لا يمكن له تركه، حيث إنّ الممتنع الشرعي كالممتنع العقلي.
وفيه أنّ الدخيل في تمامية الاجارة تمكن المكلف من تسليم العمل الذي هو مورد الاجارة، لا التمكن بمعنى آخر، وايجاب الفعل لا ينافي هذا التمكن، ولذا لو وقع شرطاً في ضمن عقد لازم صح وترتب عليه أثره. نعم مع التحريم لا يمكن تسليمه، فلا يعمه مثل قوله سبحانه «أوفوا بالعقود) حيث لا يمكن الأمر بالوفاء بالاجارة مع النهي عن الفعل كما لا يخفى.

 

ذكر قول (أولاً) انّه لا ملازمة بين صحة الاجارة وصحة العمل أي كونه مسقطاً للتكليف، و(ثانياً) أنّ في جواز أخذ الأجرة على الواجبات تفصيلاً.
وحاصل كلامه (أولاً) انّه ربّما تكون الاجارة صحيحة مع حصول الامتثال كما إذا كان الواجب تعبدياً كتغسيل الميت، وقيل بعدم منافاة أخذ الأجرة للاخلاص في العمل أو مع سقوط التكليف بالعمل من دون حصول الامتثال، كما في الواجب التوصلي المأخوذ عليه الأجرة، بناءاً على عدم منافاه وجوب الفعل لأخذ الأجرة عليه، وقد يسقط التكليف عند العمل، من غير أن يكون مصداقاً للواجب، كما إذا كان فيه ملاكه من غير تعلق التكليف به لمانع. وربّما تكون الاجارة صحيحة مع بطلان العمل، سواء بقى التكليف المتعلق به بحاله أو سقط لأمر آخر، كما إذا استأجره للصلاة على ميت بغرض تعلم صلاة الموتى، وقيل بمنافاة أخذ الأجرة للاخلاص المعتبر في العبادة، فانّه إذا صلى على ذلك الميت استحق الأجرة، ولكن يحكم ببطلانها، فتجب الصلاة عليه مع الاخلاص.
وحاصل كلامه (ثانياً) انّه لو كان الواجب عينياً تعيينياً لم يجز أخذ الأجرة عليه، سواء كان توصلياً أو تعبدياً، فانّه مع وجوب الفعل كذلك يكون المكلف مقهوراً عليه من جانب الشارع، فيجبر عليه في صورة امتناعه، فلا تكون لعمله حرمة حتى يصح له أخذ الأجرة. وحاول «ره» دفع ما ربّما يمكن أن يذكر في المقام بصورة النقض، وهو تجويز الشارع للوصي وقيم الأطفال أخذ أجرة المثل على عملهما مع أنّ إنقاذ الوصية أو القيام بمصالح الايتام واجب عيني تعييني عليهما.
ووجه الدفع أنّ ذلك التجويز حكم شرعي نظير حكم الشارع للمار بجواز أكله من ثمار الأشجار الواقعة في طريقه، وليس من قبيل المعاوضة على العمل ليستظهر منها عدم منافاة أخذ الأجرة مع وجوب الفعل على المكلف كما ذكر.
(أقول): إذا فرض أنّ في فعل المكلف غرضاً للآخرين، وأنّ الواجب عليه هو الفعل مطلقاً لا الفعل مجاناً وبلا عوض، فلا يكون أخذ العوض وتمليك عمله للغير من الأكل بالباطل، فانّ الموجب لصدقه أخذ قيد المجانية في متعلق الأمر. والمفروض خلافه. والقهر عليه من باب الأمر بالمعروف لا يوجب سقوط عمله عن المالية، كما أنّ القهر على بيع ماله في المخمصة لا يوجب سقوطه عنها. نعم إذا كان تعبدياً فقد يتبادر إلى الذهن منافاة أخذ الأجرة عليه للاخلاص المعتبر فيه، ولكن قد مرّ دفعه وأنّ مع كون الغرض هو استحقاق الأجرة شرعاً يحصل التقرب المعتبر في العبادة.
وما ورد في جواز أخذ الوصي أو القيم من مال اليتيم كصحيحة هشام مقتضاها عدم منافاة وجوب الفعل تعييناً مع أخذ الأجرة عليه، فانّ ظاهرها الأخذ بعنوان أجرة المثل لا مجرد تجويز الأكل منه، نظير تجويز الأكل للمار من ثمرة طريقه. نعم قد ذكر الأكل بالمعروف في الآية والروايات الآخر، ولكن تكون صحيحة هشام حاكمة عليها ومحددة لذلك المقدار فراجع.
و قول :»:إن كان الواجب تخييرياً فمع كونه توصلياً، فلا بأس بأخذ الأجرة على خصوص أحد فرديه، لعدم كونه مقهوراً عليه، بل مخيراً بينه وبين فرده الآخر، وكذا الحال فيما إذا كان تعبدياً، وقلنا بما أنّ خصوصية الفرد غير مأخوذة في متعلق الأمر فالاتيان بالقدر المشترك بداعي الأمر به لا ينافي أخذ الأجرة على تلك الخصوصية، ويوضح ذلك ملاحظة ما إذا كان المكلف بحيث لا يأتي بالقدر المشترك في ضمن أي فرد ولو أعطي له الأجرة على بعض الافراد، وإنّما يكون أمر الشارع بالقدر المشترك داعياً إلى الاتيان به، وبما أنّ خصوصية الافراد خارجة عن متعلق الأمر فيأتي بالقدر المشترك في ضمن خصوصية معينة لأخذه الأجرة عليها. ولا يقاس ذلك بالاتيان بخصوصية العمل رياءاً، حيث إنّ العمل يبطل حتى فيما إذا كان الرياء في خصوصية ذلك العمل. ووجه عدم القياس ما دلّ على أنّه سبحانه خير شريك لا يقبل عملاً يكون له ولغيره، بل يتركه للغير، وهذا فيما إذا كانت الخصوصية التي أتي بها رياءاً متحدة مع العمل خارجاً، كالصلاة في أول الوقت أو في المسجد، فانّه يحكم ببطلانها حتى فيما إذا كانت أصل الصلاة للّه واختيار المسجد أو أول الوقت للرياء. وأمّا إذا كان لها وجود آخر، كما إذا صلى للّه وأتى بتعقيباتها رياءاً، فلا يوجب ذلك بطلان أصل الصلاة.
(اقول): مقتضى هذا الكلام عدم الفرق بين الواجب التخييري الشرعي وبين الواجب التعييني الذي يكون التخيير بين افراده عقلياً في أنّه يجوز فيها أخذ الأجرة على خصوص بعض الافراد، وتعرض «ره» للواجب الكفائي، وقال لا بأس بأخذ اأجرة عليه مع كونه توصلياً، فانّه مع الاستيجار يملك المستأجر ذلك العمل ويستند إليه ويكون عملاً له، فيستحق ثوابه ويسقط التكليف عن الأجير وعن غيره، لقيام المستأجر به ولو بغير المباشرة. ومن هذا القبيل الاستيجار لتطهير المسجد أو للجهاد ونحوهما. وأمّا إذا كان الواجب الكفائي تعبدياً، فلا يجوز أخذ الأجرة عليه لا لوجوب الفعل عليه، وإلاّ لم يجز أخذ الأجرة على التوصلي أيضاً بل باعتبار منافاة أخذ الأجرة للاخلاص المعتبر فيه. وما ذكر ـ في وجه جواز أخذ الأجرة على خصوص بعض افراد الواجب التخييري من خروجه عن متعلق الأمر ـ لا يجري في الكفائي نعم لو كان الواجب الكفائي التعبدي قابلاً للنيابة، بان ينزل الأجير نفسه منزلة الغير، فيأتي بالفعل عن ذلك الغير، فيكون المقام من قبيل الاستيجار على النيابة في العبادات. وقد تقدم جوازه، ولكن مشروعية النيابة محتاجة إلى دليل خاص، وعلى تقدير قيامه في مورد يكون خارجاً عن محل الكلام. فانّ الكلام في المقام في جواز العمل عن نفسه، وتمليك ذلك العمل للغير بالاجارة ونحوها، كالخياط تكون خياطته عن نفسه، ولكنّها ملك الغير.
وحاصل البحث في المقام أن ايجاب عمل على مكلف يوجب سقوطه عن المالية شرعاً، لا يجوز تمليكه للغير بالأجرة أو أنّ وجوبه عليه لا يوجبه ما لم يجب عليه ذلك العمل مجاناً. وفي مورد النيابة يأتي العامل بالعمل عن الغير، ومشروعية هذه تحتاج إلى دليل. وإلاّ فالأصل عدم احتساب عمله عملاً للغير.

 

و قول :بأن يستفاد أنّ الغير يستحق الفعل عليه بحكم الشارع وايجابه، ففي مثل ذلك يكون أخذ الأجرة عليه من أكلها بالباطل، فان ايجاب الفعل كذلك بمعنى ايجابه مجاناً ولعله من هذا القبيل تجهيز الميت وانقاذ الغريق ومعالجة الطبيب المرض المهلك.
(اقول) مجرد استحقاق الغير الفعل لا يقتضي المجانية، حتى لا يجوز أخذ العوض على المعالجة والإنقاذ ونحوهما، وإلاّ لم يجز أخذ العوض لمن يطعم الناس في المخمصة، بل يجب عليه بذله مجاناً وذلك لأنّ البذل واجب تعييني لا يقبل أخذ العوض عليه، والطعام مورد حق للمضطرين، ولذا يجوز لهم بل يجب وضع اليد عليه في صورة امتناع مالكه عن بذله.