بيع الخمر

وقد نزل الفقاع ـ بل كل مسكر ـ منزلة الخمر في بعض الروايات المعتبرة، ومقتضى هذا التنزيل ترتيب جميع آثار الخمر، وفي صحيحة علي بن يقطين عن أبي الحسن (ع) قال: «إنّ اللّه عزّ وجلّ لم يحرم الخمر لاسمها، ولكن حرّمها لعاقبتها، فما كان عاقبته عاقبة الخمر فهو خمر.
وفي موثقة ابن فضال، قال: «كتبت إلى أبي الحسن (ع) أسأله عن الفقاع، فقال: هو الخمر وفيه حدّ شارب الخمر»، وقريب منهما غيرهما، وكيف كان فيستفاد من بعض الروايات حرمة المعاملة على المسكر تكليفاً ووضعاً، ففي موثقة زيد بن علي عن آبائه (ع)، قال: «لعن رسول اللّه (ص) الخمر وعاصرها ومعتصرها وبايعها ومشتريها وساقيها وآكل ثمنها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه»، حيث أنّها دالّة على حرمة بيعها تكليفاً، كما هو ظاهر لعن بايعها ومشتريها، وفساده وضعاً كما هو مقتضى لعن آكل ثمنها، وفي مقابلها صحيحة جميل التي رواها ابن أبي عمير وعلي بن حديد جميعاً عنه قال: «قلت لأبي عبداللّه (ع) يكون لي على الرجل الدراهم، فيعطيني بها خمراً؟ فقال: خذها ثم أفسدها، قال علي: وأجعلها خلاً».
وظاهرها جواز أخذ الخمر ومعاوضتها بالدراهم، الأوّل: إبراء المديون عمّا عليه من الدراهم وأخذ الخمر مجاناً والانتفاع بها بعد ذلك بجعلها خلاً.
والثاني: أخذ الخمر أمانة بأن ثبت الحقّ فيها لمعطيها، ثمّ يجعلها الآخذ خلاً ويتملّك ذلك الخلّ عن مالكه المديون وكالةً أو تقاصّاً، ولكن كلا الأمرين طرح لظهورها في مقام المعاوضة كما لا يخفى.
وذكر السيد الخوئي طال بقاؤه أنّ هذه الرواية عامّة من جهة بايع الخمر، أي: إنّها بإطلاقها تشمل كونه مسلماً أو كافراً، وخاصّة من جهة المعامل، حيث أنّها بقصد التخليل. وفي مقابل ذلك ما يدلّ على أنّه لا يجوز للمسلم بيع الخمر سواء كان بقصد التخليل أو غيره، وهذا خاص من جهة البائع وعامّ من جهة المعاملة، فتقع المعارضة بينهما في البايع المسلم فيما إذا كان بيعه للتخليل، وبعد تساقطهما يرجع إلى إطلاق قوله (ع): «ثمن الخمر سحت»، والرواية المزبورة رواية يونس في مجوسي باع خمراً أو خنازير إلى أن قال: «أسلم رجل وله خمر أو خنازير، ثمّ مات وهي في ملكه ـ إلى أن ذكر ـ وليس له ـ أي للمسلم ـ أن يبيعه وهو حيّ ولا يمسكه».

 ونحوها مرسلة ابن أبي عمير أو أبي نجران

وفيه أنّ رواية يونس ضعيفة سنداً. نعم، مرسلة ابن أبي عمير لابأس بها على شهادة الشيخ «ره» في العدّة من أنّه لا يرسل ولا يروي إلا عن ثقة، حيث أنّ هذا الكلام منه «ره» توثيق عام لمشايخ ابن أبي عمير لا يرفع اليد عنه إلا في موارد علم فيها نقله عن غير الثقة، وليس لنا علم ـ ولو إجمالاً ـ بإرساله عن غير الثقة حتّى يمنع هذا العلم عن الأخذ بمرسلاته، نعم بالإضافة إلى رواياته المسندة فروايته فيها عن غير الثقة معلوم إجمالاً، ولكن هذا العلم ينحلّ بالظفر بأشخاص نحتمل انحصار غير الثقة من مشايخه بهم، ولكن سيأتي عدم تمامية ذلك وأنّه لا اعتبار لمرسلاته.
ومع الإغماض عن السند فلا يتمّ ما ذكر، لظهور صحيحة درّاج في جواز شراء الخمر مطلقاً، سواء كان بقصد التخليل أو لغاية أُخرى، والأمر بجعل الخمر خلاً حكم آخر في الرواية، وليس قيداً لجواز شرائها، فإنّه فرق بين قوله: «خذها واجعلها خلاً» كما في الرواية، وبين قوله: «خذها إذا جعلتها خلاً» حيث إنّ الأوّل كنظائره من الأمر بتغسيل الميت والصلاة عليه لا يوجب تقييداً في الحكم الأوّل، وعلى ذلك فظاهر الصحيحة جواز شراء الخمر وضعاً وتكليفاً، فتكون منافية لما دلّ على حرمة بيعها وفساده، والترجيح مع الأخبار الدالّة على المنع تكليفاً ووضعاً، لموافقتها للكتاب العزيز الدالّ على لزوم الاجتناب عن الخمر، باعتبار كونه رجساً، فإنّ لزوم الاجتناب يعمّ بيعها وشراءها كما لا يخفى.
وذكر الأيرواني «ره» أنّ تفسير الافساد بجعل الخمر خلاً من ابن أبي عمير لا من الإمام (ع)، ولا عبرة بفهم ابن أبي عمير فيما إذا كان ظاهر كلامه (ع) غيره، وظاهر إفساد الخمر جعلها بحيث لا يرغب فيها حسماً لمادة الفساد، فلا دلالة في الرواية على تجويزه (ع) أخذ الخمر بدلاً عن الدراهم، ليكون ذلك منافياً لما تقدّم من المنع عن بيعها وضعاً وتكليفاً.
أقول: لا ينبغي الريب في عدم وجوب إهراق الخمر وجواز جعلها خلاً، ويشهد لذلك غير واحد من الروايات كموثقة زرارة، قال: «سألت أبا عبداللّه (ع) عن الرجل يأخذ الخمر فيجعلها خلاً؟ قال: لا بأس»

، وكيف كان فلا يجب إتلاف الخمر بإهراقها، بل يجوز إفسادها بجعلها خلاً، ولو لم يكن ظاهر إفسادها هو التخليل كما فسّره به علي بن حديد، فلا أقلّ من حمله على ما يعمّه جمعاً بينها وبين مثل الموثقة ممّا دلّ على جواز أخذها وتخليلها، كما أنّ ظاهر قوله (ع) : «خذها» في الجواب عن السؤال عن أخذها بدل الدراهم هو تجويز المبادلة، وإلا لكان اللازم أن يقول (ع) (خذها ولك ماعليه من الدراهم).
ثمّ لا يخفى أنّ تقييد المسكر بالمايع ـ ليس باعتبار أنّه لا بأس ببيع المسكر الجامد، باعتبار أنّ الكلام في المقام في عدم جواز بيع النجاسات، والمسكر الجامد بالأصالة ـ باعتبار عدم نجاسته ـ خارج عن موضوع البحث، وداخل فيما يأتي مما يحرم التكسّب به باعتبار حرمة الانتفاع.
تنبيه:
لا يخفى أنّ ما ورد ـ من أنّ كلّ مسكر خمر حكماً أو موضوعاً ـ لا يوجب الحكم بحرمة بيع ما يعرف في زماننا هذا بالاسبيرتو (آلكل صنعتي) بل المايع المزبور محكوم بالطهارة للأصل، وبجواز البيع باعتبار المنفعة المقصودة المحلّلة فيه، وليس مسكراً بالفعل لتعمّه تلك الروايات، وعلاجه بالماء أو غيره لتصبح مسكراً غير محرز وعلى تقديره فلا يضرّ، لظهورها في أنّ الموضوع للنجاسة والحرمة هو ما يكون مسكراً بالفعل ومعدّاً للإسكار، فلاحظ.