الإمام الكاظم (عليه السَّلام) و الإمام الجواد (عليه السلام)وفاة الإمام الكاظم (عليه السَّلام): كانت وفاة الإمام الكاظم (عليه السَّلام) في بغداد، في سنة 183 هـ في أحد سجون الحكم العباسي على يد السندي بن شاهك الذي حبس الإمام بأمر من هارون الرشيد في سرداب لا يعرف فيه الليل من النهار. وقد ضيق عليه غاية الضيق، كل ذلك خوفاً من القوة الروحية الممتدة في حياة المسلمين الذي كان يتمتع به هذا الإمام العظيم، وفي نهاية المطاف قتله بالسم. فقضى (عليه السَّلام) شهيد الحق صابراً محتسباً، في 25 رجب سنة 183 هـ كما جاء في الرواية: وكان قد قبض على الإمام (عليه السَّلام) في 20 شوال سنة 179 هـ وهو يصلي في مسجد جده رسول الله، وقيد وهو يقول مخاطباً جده: إليك أشكو يا رسول الله، كما في (المناقب) المجلد الثاني ص385. وحبس ببغداد في سجن عيسى سنة كاملة إلى سنة 180 هـ ولما جاءه أمر الرشيد بقتل الإمام امتنع عيسى عن ذلك. وكتب رسالة يطلب العفو من ذلك، جاء في رسالة عيسى ما نصه: يا أمير المؤمنين قد اختبرته طويلاً طول مقامه بمن حبسته معه عيناً عليه لينظروا حيلته وأمره وطويته ممن له المعرفة والدراية ويجري من الإنسان مجرى الدم فلم يكن له منه سوء قط، ولم يذكر أمير المؤمنين إلا بخير ولم يكن عنده تطلع إلى ولاية أو خروج ولا شيء من أمر الدنيا، ولا دعا قط على أمير المؤمنين ولا على أحد من الناس، ولا يدعو إلا بالمغفرة له ولجميع المسلمين، مع ملازمته للعبادة والصلاة فإن رأى أمير المؤمنين أن يعفيني من أمره، أو ينفذ من يتسلمه مني، فإني منه في غاية الحرج. كما ورد هذا النص في (الفصول المهمة) لابن الصباغ ولما رأى هارون الرشيد تأثير شخصية الإمام أمر بإشخاص الإمام إلى بغداد وحبسه عند الفضل بن الربيع برهة من الوقت ولما أمر بقتله، امتنع، فأطلق هارون سراحه مع الإقامة الجبرية في بغداد، وكان يدخل على الرشيد في كل أسبوع في يوم الخميس، ولما شاع ذكر الإمام واجتمع به الخاص والعام أُلقي عليه القبض مرة أُخرى عند الفضل بن يحيى البرمكي، وقد أكرم الإمام لما رأى فيه من عظيم المقام ولما بلغ الرشيد ذلك، كتب إلى مسرور الخادم، أن السبب الوحيد هو الخوف على الملك، كما صرح هارون لابنه المأمون قائلاً: لو نازعتني فيه لفقأت عينيك. وكان هارون بحكم سيطرته يريد من الإمام أن يكون آلة في يده فيحلل ما حرم الله، وموقفه (عليه السَّلام) كان صلباً وكلما حاول الجهاز الحاكم كل المحاولات والمضايقات بالنسبة للإمام، والتخلص من وجوده والنيل من مقامه، كان الأمر بالعكس، فالناس يعرفون حيل أصحاب السياسات وأقبلوا على الإمام أكثر وأكثر. وعلى سبيل المثال، أرسل الحاكم العباسي مرة جارية إلى محل سجن الإمام (عليه السَّلام) ظناً منهم أنهم ينالون من سمعة الإمام ولكن الجارية وجدت نفسها أمام الإمام، إمام الورع والتقوى فانقلبت مصلية خاشعة، باكية، تائبة إلى الله، ولما بلغ الخبر هارون الرشيد قال: لقد سحرها والله موسى بن جعفر وعمد الحكم العباسي مرة أُخرى إلى تفريق أصحاب الإمام عنه، حتى أقرب الناس إليه وهو ابن أخيه محمد بن إسماعيل بن جعفر كي يقف حجر عثرة في طريق الإمام. ولكن كانت الأخبار تنتشر بين الوسط الاجتماعي المسلم والمجتمع الإسلامي يرفض كل هذه المحاولات اليائسة حتى أمر هارون الرشيد بسجن الإمام أخيراً.
السجن الأخير: وكان سجن السندي بن شاهك مولى المنصور الدوانيقي، وهذا هو الذي وكل إليه بحراسة دور البرامكة لما أراد الرشيد الانتقام منهم، فسجن السندي الإمام (عليه السَّلام) في داره الواقعة قرب باب الكوفة من أبواب بغداد، وقد تفرغ الإمام إلى العبادة في السجن، حتى تولت أُخت السندي خدمة الإمام، وكانت تنظر إليه وتبكي وتقول: (خاب قوم تعرضوا لهذا الرجل) كما في تاريخ بغداد ج 13 ص31، وكان للسندي ولدان الحسين وإبراهيم، وقد اهتدى حفيد السندي بن شاهك هذا المسمى كشاجم، وأصبح من شعراء أهل البيت (عليهم السَّلام). جاء في (مقاتل الطالبيين)، أنه لما غضب على الفضل بن يحيى لموقفه المشرف تجاه الكاظم حينما كان في سجنه، أمر هارون بجلده، وقد هاج الناس واضطربوا لبيان المعارضة من المجتمع المسلم، وفي (البحار) أن الرشيد أوعز إلى السندي فأخذ رطباً ووضع فيه السم، وقدمه إلى الإمام، فأكل الإمام (عليه السَّلام) منه رطبات، فقال له السندي: زد على ذلك، فرمقه الإمام (عليه السَّلام) بطرفه، وقال له: حسبك قد بلغت ما تحتاجه إليه، وفي (روضة الواعظين)، أراد السندي تبرئة نفسه فطلب 80 شخصاً، وقال لهم: أنظروا إلى هذا الرجل، هل حدث له حدث، فإن الناس يزعمون أنه قد فعل به مكروه، ويكثرون من ذلك، وهذا منزله وفراشه موسع عليه غير مضيق، ولم يرجه أمير المؤمنين (ويعني هارون) سوءاً، فقال: وسأل أحدهم الإمام فأجاب الإمام (عليه السَّلام)، أما ما ذكر من التوسعة وما شابه ذلك، فهو ما ذكر، غير أن أُخبركم أيها النفر إني قد سُقيت السم في تسع تمرات وإني بعد غد أموت، ولما سمع السندي اضطرب مثل السعفة، ولما بلغ الرشيد موت الإمام (عليه السَّلام) قال: وآسوءتاه من رسول الله، كما في (ابن الأثير)، المجلد الخامس ص130. ولكن الدعاية العباسية هذه وهذا الحزن الذي أظهره هارون لم ينخدع بها المجتمع الإسلامي واستدعى السندي فقهاء بغداد المأجورين لينظروا إلى الإمام وهو ميت لا أثر به وشهدوا على ذلك، كما في (مقاتل الطالبيين) ص504 ووضعت جنازة الإمام (عليه السَّلام) على الجسر، ونادى المنادي هذا موسى بن جعفر الذي تزعم الرافضة أنه لا يموت، فانظروا إليه ميتاً، كما في (الفصول المهمة) ص54. وبقي ثلاثة أيام لم يوار جثمانه المقدس كما جاء في (الرواية ص185. ولما رأى عم هارون الرشيد المسمى سلمان بن أبي جعفر المنصور المتوفى سنة 199 هـ جنازة الإمام الكاظم (عليه السَّلام) على ذلك الوجه، ثار وصاح بولده، انزلوا إليهم، مالكم فخذوا من أيديهم، فإن مانعوكم فاضربوهم، واخرقوا ما عليهم من سواد وأمر أن ينادي ألا من أراد أن يحضر جنازة الطيب ابن الطيب موسى بن جعفر فليحضر وجهزه وكفنه بحبرة قد كتب عليها القرآن. وتقدم النعش المبارك، وسار خلفه جماهير المسلمين في بغداد، وكان يوماً عظيماً ساد فيه الحزن والمواكب تسير، والذي دعا سلمان إلى ذلك، قد تكون رابطة الرحم، وقد تكون هذه الفعلة الشنيعة قد أولدت الحقد على العباسيين الحاكمين ولعلهم رأوا أن الثورة في المجتمع انبثقت والاضطراب الداخلي قد ظهر لهذا العمل المجرب، فاستدرك الأمر بهذه الصورة، ويظهر مدى الضيق الذي لاقاه الإمام (عليه السَّلام) في أدعيته المأثورة التي منها دعاء الجوشن الكبير وقد روى في (وفيات الأعيان) المجلد الرابع ص394 (وشذرات الذهب) المجلد الأول ص304 قوله (عليه السَّلام): (يا سامع كل صوت، ويا سابق الفوت، ويا كاسي العظام لحماً ومنشئها بعد الموت، أسألك بأسمائك الحسنى وبإسمك الأكبر المخزون المكنون الذي لم يطلع عليه أحد من المخلوقين يا حليماً ذا أناة لا يقوى على أناته، يا ذا المعروف الذي لا ينقطع أبداً، فرج عني يا الله). وكان هارون الرشيد شخصياً يراقب السجن ويشرف على الحبس فيراه ساجداً، وقال يوماً للربيع وهو ينظر إلى داخل السجن، ما ذلك الثوب الذي أراه كل يوم في ذلك الموضع فيخبره أنه ليس بثوب وإنما هو الإمام موسى بن جعفر (عليه السَّلام). كان الإمام الكاظم (عليه السَّلام) يرعى مصلحة الأُمة الإسلامية حتى في اللحظات الأخيرة من حياته الكريمة، فكتب وصيته وإليك نصها: (بسم الله الرحمن الرحيم، إن موسى يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور وأن البعث بعد الموت حق، وأن الوعد حق وأن الحساب حق، وأن الوقوف بين يدي الله حق، وأن ما جاء به محمد صلّى الله عليه وآله حق، وأن ما أُنزل به الروح الأمين حق، على ذلك أحيى وعليه أموت وعليه أُبعث إن شاء الله وأشهد أن هذه وصيتي بخطي، وقد نسخت وصية جدي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السَّلام)، ووصية محمد بن علي قبل ذلك نسختها حرفاً بحرف، ووصية جعفر بن محمد على مثل ذلك، وإني قد أوصيت بها إلى علي وبني من بعده معه وإن شاء وأنس منهم رشداً، وأحب أن يقرهم فذلك له، ولا أمر لهم معه أوصيت إليه بصدقاتي وأموالي وموالي وصبياني الذين خلفتهم وولدي إلى إبراهيم وعباس وقاسم وإسماعيل وأحمد وأم أحمد وإلى علي أمر نسائي دونهم، وثلث صدقة أبي يضعه حيث يرى ويجعل فيه ما يجعل ذو المال في ماله، فإن أحب أن يبيع أو يهب أو ينحل أو يتصدق بها على من سميت له وعلى غير من سميت فتلك له، وهو أنا في وصيتي وفي مالي وفي أهلي وولدي وأن يرى أن يقر إخوته الذين سميتهم في كتابي هذا أقرهم وإن كره فله يخرجهم غير مشرب عليه ولا مردود. فإن أنس منهم غير الذي فارقتهم عليه، فأحب أن يردهم في ولاية فذلك له، وإن أراد رجل منهم أن يزوج أُخته فليس له أن يزوجها إلا بإذنه وأمره، فإنه أعرف بمناكح القوم، وأي سلطان أو أحد من الناس كفه عن شيء أو حاله بين شيء مما ذكرت، فهو من الله ومن رسوله بريء، وإن الله ورسوله منه براء، وعليه لعنة الله وغضبه ولعنة اللاعنين والملائكة المقربين والنبيين والمرسلين وجماعة المؤمنين، وليس لأحد من السلاطين أن يكفه عن شيء وليس لي عنده تبعة ولا تباعة ولا لأحد من ولدي له من قبلي مال، فهو مصدق فيما ذكرت، فإن أقل فهو أعلم، وإن أكثر فهو الصادق كذلك. وإنما أردت بإدخال الذين أدخلتهم معه من ولدي التنويه بأسمائهم والتشريف لهم وأُمهات أولادي من أقامت منهن في منزلها وحجابها، فلها ما كان يجري عليها في حياتي، إن رأى ذلك وأما من خرجت منهن إلى زوج فليس لها أن ترجع إلا أن يرى علي غير ذلك وبناتي بمثل ذلك، ولا يزوج بناتي أحد من أخوتهن، أحد من أُمهاتهن، ولا سلطان ولا عم إلا برأيه ومشورته فإن فعلوا غير ذلك، فقد خالفوا الله ورسوله وجاهدوا في ملكه وهو أعرف بمناكح قومه. وإن أراد أن يزوج زوج، وإن أراد أن يترك ترك، وقد أوصيتهن بما ذكرت في كتابي هذا، وجعلت الله عز وجل عليهن شهيداً، وهو وأم أحمد شاهدان وليس لأحد أن يكشف وصيتي ولا ينشرها وهو منها على غير ما ذكرت وسميت فمن أساء فعليه، ومن أحسن فلنفسه، وما ربك بظلام للعبيد، وصلّى الله على محمد وعلى آله، وليس لأحد من السلطان أو غيره أن يفض كتابي هذا الذي ختمت عليه من أسفل، فمن فعل ذلك فعليه لعنة الله وغضبه، ولعنة اللاعنين والملائكة المقربين وجماعة المرسلين والمؤمنين). وبهذه الوصية أكد الإمام الكاظم (عليه السَّلام) على أهمية التوعية الإسلامية في الدعوة الإسلامية وكان جهد الحكم العباسي تفريق كلمة المسلمين، لذلك كانت الاتجاهات مختلفة، وكان الاتجاه الأول المتمثل في الإمام الرضا (عليه السَّلام) هو الاتجاه الذي يمثل اتجاه الإمام نفسه والاتجاه الثاني اتخذ سبيل الثورة المسلحة، من دون اهتمام بالغ للتوعية الإسلامية، وكان يمل هذا الاتجاه ابن الإمام أحمد الذي خرج مع أبي السريا في ثورة ابن الطباطبا، والاتجاه الثالث كان الابتعاد عن مسؤولية القيادة الإسلامية نهائياً، وكان ممثلاً في ابن الإمام العباس الذي اختفى واعتزل المسؤولية نهائياً، ونجد هذه الاتجاهات الثلاث في كثير من الأحداث الإسلامية والتاريخية يعيد نفسه ومرة أُخرى في التاريخ الإسلامي التزم الجمهور بوصايا الإمام واقتدوا بالإمام الرضا (عليه السَّلام) ليؤكدوا من جديد على أهمية الأهداف التي قتل من أجلها الإمام (عليه السَّلام).
وفاة الإمام الجواد (عليه السَّلام): كان المأمون يسير في سياسته مع العلويين وكان الإمام يفضح خططه، ففي كل مناسبة متاحة كان الإمام (عليه السَّلام) يصر على الرجوع إلى وطنه المدينة المنورة والمأمون يمتنع. وفي إحدى مناسبات الحج وافق المأمون أن يحج الإمام (عليه السَّلام) بشرط أن يصحب معه زوجته أم الفضل، وطبيعي أن المأمون أراد فرض الرقابة الداخلية على الإمام (عليه السَّلام)، وتوجه المأمون إلى طرطوس وتوفي بها في يوم الخميس 16 رجب 216 هـ وبويع بعده أخوه المعتصم العباسي، فأحضر المعتصم العباسي الإمام (عليه السَّلام) إلى بغداد من جديد، ويقول المسعودي: (ولم يزل المعتصم وجعفر بن المأمون يدبران الحيلة لقتله) فإذا كان الإِمام قد رجع إلى وطنه عام 216 فقد ورد أنه (عليه السَّلام) رجع إلى بغداد في 8 من محرم 220هـ، وتوفي (عليه السَّلام) في ذي القعدة من نفس العام، ويعني ذلك أنه (عليه السَّلام) توفي بعد تسعة أشهر من رجوعه. قال الشيخ الصدوق (سمه المعتصم) وقال ابن شهر آشوب (قبض مسموماً) وزاد ابن شهر آشوب (أنه لما بويع المعتصم جعل يتفقد أحوال الإِمام، فأرسل إلى أبي محمد عبد الملك الزيات أن يرسل إليه محمد التقي وأم الفضل، فأرسل ابن الزيات علي بن يقطين إليه فتجهز وخرج إلى بغداد وأكرمه المعتصم وعظمه وأنفذ أشناس بالتحف إليه وإلى أم الفضل... الخ). وقال المسعودي أيضاً: (لم يزل المعتصم وجعفر بن المأمون يدبران ويعملان الحيل في قتله، فقال جعفر لأُخته أم الفضل وكانت لأُمه وأبيه في ذلك لأنه وقف على انحرافها عنه وشدة غيرتها عليه لتفضيله أم أبي الحسن ابنه عليها مع شدة محبتها له ولأنها لم تُرزق منه ولداً فأجابته إلى ذلك). وفي رواية العياشي في تفسيره عن زرقان صاحب أبي داود قاضي المعتصم أنه اختلف هو والفقهاء في تحديد موضع يد السارق، قال الناصر: فالتفت المعتصم إلى محمد بن علي (الجواد)، فقال ما تقول في هذا يا أبا جعفر فقال: تكلم القوم فيه يا أمير المؤمنين اعفني من هذا، قال المعتصم للإمام (عليه السَّلام): (أقسمت عليك بالله لما أخبرت بما عندك فيه، فقال: أما إذا أقسمت علي بالله فإني أقول أنهم أخطأوا فيه السنة فإن القطع يجب أن يكون من مفصل أصول الأصابع فترك الكف، قال: وما الحجة في ذلك قال قول رسول الله (السجود على سبعة أعضاء الوجه واليدين والركبتين والرجلين) فإذا قطعت يده من الكرسوع أو المرفق لم يبقَ له يد يسجد عليها، وقال الله تعالى: (وإن المساجد لله) يعني به هذه الأعضاء السبعة التي يسجد عليها وما كان لله لم يقطع، قال القاضي: (فقامت القيامة وتمنيت أني لم أك حياً ثم صرت إلى المعتصم بعد ثلاث فقلت: إن نصيحة أمير المؤمنين عليَّ واجبة - إلى أن قال - تترك أقاويلهم لقول رجل يقول: شطر هذه الأُمة بإمامته ويدعون أنه أولى منه بمقامه ثم تحكم بحكمه دون حكم الفقهاء، قال: فتغير لونه وانتبه لما نبهته له، وقال: جزاك الله عن نصيحتك خيراً وأمر في اليوم الرابع فلاناً من وزرائه بأن يدعو الجواد (عليه السَّلام) إلى منزله، فدعاه فأبى أن يجيبه قال: قد علمت أني لا أحضر مجالسكم، فقال: إنما أدعوك إلى طعام وأحب أن تطأ ثيابي وتدخل منزلي فأتبرك بذلك، فصار إليه فلما طعم أحس بالسم فدعا بدابته فسأله رب المنزل أن يقيم، فقال: خروجي من دارك خير لك فلم يزل يومه ذلك وليلته في قلق حتى قبض). ومن تعدد الروايات يظهر أن السلطة العباسية حاولت بعدة طرق القضاء على الإمام، في كل هذه المناسبات كان يظهر قولاً وعملاً أو بكلتي الحالتين مقاطعته الحاكمين أو الحضور في مجالسهم إلا بالقدر الذي تقتضيه مصلحة الإسلام والمسلمين.
من تاريخ المزار: حضــــــرة الــكاظمين منها المرايا قد حكت قلب كل أهل الطـــــــفوف صبـــــــغتها يـــــــد التـــجلي بكف كبرت عن تشــــــبيهها بـــالكفوف وروت عـــــــن غــــدير خم صفاء فتراءت بــــــطرفي المــــــطروف قــــــــد أطـلت شمساً بغير كسوف وأقلت بــــــدراً بغــــــير خـــسوف وطــــوت كـــــاظماً ولفــــت جواداً فانتــــهت بـــــالمطوي والمـلفوف أنشأ أبو جعفر المنصور العباسي مدينة بغداد عام 145 هـ وسماها مدينة السَّلام ولما توفي وخلفه ابنه جعفر في عام 150 هـ اتخذ مقبرة سماها مقبرة قريش ولما توفي الإمام الكاظم (عليه السَّلام) في عام 183 هـ دفن (عليه السَّلام) في تلك المقبرة حيث مرقده الشريف اليوم. ودفن من بعده حفيده الإمام محمد الجواد ابن الإمام الرضا ابن الإمام الكاظم وتعرف اليوم باسم الكاظمية تغليباً ولم تستعمل كلمة الجوادين رعاية للأدب.
من تاريخ المزار: حضــــــرة الــكاظمين منها المرايا قد حكت قلب كل أهل الطـــــــفوف صبـــــــغتها يـــــــد التـــجلي بكف كبرت عن تشــــــبيهها بـــالكفوف وروت عـــــــن غــــدير خم صفاء فتراءت بــــــطرفي المــــــطروف قــــــــد أطـلت شمساً بغير كسوف وأقلت بــــــدراً بغــــــير خـــسوف وطــــوت كـــــاظماً ولفــــت جواداً فانتــــهت بـــــالمطوي والمـلفوف أنشأ أبو جعفر المنصور العباسي مدينة بغداد عام 145 هـ وسماها مدينة السَّلام ولما توفي وخلفه ابنه جعفر في عام 150 هـ اتخذ مقبرة سماها مقبرة قريش ولما توفي الإمام الكاظم (عليه السَّلام) في عام 183 هـ دفن (عليه السَّلام) في تلك المقبرة حيث مرقده الشريف اليوم. ودفن من بعده حفيده الإمام محمد الجواد ابن الإمام الرضا ابن الإمام الكاظم وتعرف اليوم باسم الكاظمية تغليباً ولم تستعمل كلمة الجوادين رعاية للأدب. وإليك ملخصاً لتاريخ المشهد: - في عام 336 هـ أمر معز الدولة السلطان أبو الحسين ابن بويه بتجديد العمارة الكاظمية وتعتبر هذه العمارة من أوسع العمارات التي حصلت في بداية تاريخ المشهد والمدينة بصفة عامة. وفي عام 367 هـ على أثر زيادة الهجرة قام أبو شجاع عضد الدولة ببناء دور للمشهد حول مرقد الإمام الكاظم (عليه السَّلام)، وفي عام 369 هـ بنى عضد الدولة دوراً حول المشهد المقدس. وفي عام 377 هـ أوصل الماء إلى الكاظمية، وكان ذلك بمسعى أبي طاهر الزعيم، وعلى ذلك كثرت الهجرة إلى الكاظمية وفي عام 443 هـ احترقت الروضة الكاظمية المقدسة. وفي عام 445 هـ جددت العمارة بعد احتراقها بواسطة الحارث أرسلان بن عبد الله المعروف بلقب البساسيري، وفي عام 460 هـ عمر المشهد أبو الفضل الأسعد بن موسى القمي أحد وزراء السلجوق. وفي عام 575 هـ جدد الروضة الكاظمية الخليفة الناصر لدين الله وذلك بمراقبة مؤيد الدين محمد بن العلقمي، وفي عام 604 هـ أمر الناصر العباسي ببناء دور للفقراء في الكاظمية بعنوان دور الضيافة، وفي عام 622 هـ التهمت النار المسجد وذلك في زمن خلافة الطائع بالله فأسرع الخليفة العباسي إلى إعادة بناء المسجد ولكن لم يتم البناء فأتمه ابنه المنتصر، وفي عام 623 وصف ياقوت الحموي الكاظمية ومقابر قريش بقوله: مقابر قريش وهي مقبرة مشهورة ومحلها فيه خلق كثير وعليها سور. وفي عام 624 أمر المنتصر بالله العباسي بصنع صندوق على القبر الشريف. قال الشيخ جعفر النقدي في كتابه (تاريخ الإمامين) ما نصه (الصندوق الساج المنتصري باقي إلى يومنا هذا في المتحف العراقي لأن الشاه الصفوي بعد أن جاء بصندوقي الخاتم المرصعين بالعاج ونصبهما على قبر الإمامين أرسل هذا الصندوق إلى المدائن ونصب على قبر سلمان الفارسي صاحب رسول الله وعند تأسيس دار الآثار العراقية نقل من المدائن إليها وعلى هذا الصندوق كتابات لطيفة وفيه من أحسن الفن ودقائقه ما لا يوصف في تزينه وفي كتابته اسم المستنصر بالله وتاريخه 624. قال الجلالي: زرت هذا الصندوق في المتحف الموجود في خان مرجان في شارع الرشيد في بغداد وقد وصف هذا الصندوق السيد ناصر النقشبندي مدير المسكوكات في المتحف العراقي في مقال طويل بعنوان الآثار الخشب في دار الآثار العربية طبع في مجلة سومر الجزء الأول المجلد الخامس عام 1949 م، وننقل كلامهما بالتفصيل لما فيه من الفائدة. قالا: (صندوق ضريح الإمام موسى بن جعفر الذي أمر بصنعه الخليفة المنتصر بالله العباسي ولقد وجدت مديرية الآثار القديمة العامة هذا الصندوق على ضريح سلمان الفارسي في جامعة من ناحية سلمان باك التابعة للواء بغداد فنقلته من موضعه إلى دار الآثار العربية وعرضته فيما بعد، بعد أن رممته وأصلحت شأنه وتبين من الكتابات التي تزينه أنه صنع في عام 624. ووضعه على الضريح المخصص لموسى بن جعفر في الكاظمية بأمر الخليفة المستنصر بالله العباسي ولم يتسنى لنا تعيين تاريخ نقله من موضعه الأول إلى ضريح سلمان الفارسي، ولكن التاريخ يذكر أن السلطان بويه الجلائري أمر بصنع صندوقين من الرخام لضريحي الإمامين موسى الكاظم ومحمد الجواد في عام 769 هـ، وكذلك أمر الشاه إسماعيل الصفوي بصنع صندوقين من الخشب لهذين الضريحين في عام 926 هـ وهما الموجودان هناك الآن وفيهما تاريخ عملهما ولعل النقل تم في غضون هذه المدة. إن هذا الصندوق مصنوع من خشب التوت سمك الواجه خمسة ونصف سم، وهو مستطيل الشكل منبسط السطح يبلغ طوله 255 سم أما عرضه فيبلغ 183 سم وعلوه 65 سم يزين حافات غطائه كتابة نثرية غير متداخلة نقشت داخل شبكة في زخارف نباتية متناظرة ومتشابكة وزين هذا الصندوق زخارف نباتية أيضاً، وهو يبرز بمقدار 3 سم عن مستوى وجهه الجنوبي. وفي الجنوب كتابات نثرية مشجرة متداخلة ومتناظرة كثيرة الحروف وفي غاية الجمال والإتقان، وقد حفرت داخل الشبكة زخارف شجرية تعرف الآن باسم سلمي وهي أرفع سطحاً من مستوى الكتابة، ويبلغ عرض السطر الواحد 43 سم أما طوله في الجنبين الصغيرين 2/91 سم وفي الجنبين الكبيرين 189 سم وكل سطر بداخل إطار مستطيل الشكل منقوش في أصل الخشب ومزخرف زخرفة نباتية عرضها 12 ملم، أما نص الكتابة النثرية التي حول الغطاء فتبتدئ من عند الرأس: أ - بسم الله الرحمن الرحيم (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) هذا ما تقرب إلى الله تعالى بعمله، خليفته في أرضه ونائبه في خلقه سيدنا ومولانا إمام المسلمين المفروض الطاعة على الخلق أجمعين المستنصر بالله أمير المؤمنين ثبت الله دعوته سنة 624 هـ. ب - الكتابة الكوفية في الجنوب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ضريح الإمام أبو الحسن موسى بن جعفر بن محمد بن علي إلى أن ينتهي إلى الإمام علي بن أبي طالب (عليه السَّلام)، انتهى. وقد زرت هذا الصندوق في المتحف المعروف بخان مرجان في شارع الرشيد ونسأل الله أن يحفظ هذه الآثار آثار أهل البيت (عليهم السَّلام) من شر أعدائهم آمين. وفي عام 634 هـ قصد المستنصر بالله مشهد موسى بن جعفر (عليه السَّلام) لتفقد أحوال الطالبيين والعلويين بها، وفي مسجد الإمام أمير المؤمنين. وفي عام 643 هـ في ليلة الجمعة الحادي عشر من شهر رمضان نقل مؤيد الدين أبو الحسن محمد بن عبد الجليل القمي الوزير من مدفنه بمقبرة الزرادين في المأمونية إلى تربة كان أنشأها في الكاظمية ووقف عليها وقوفاً، وفي العهد المغولي كان أمير قرطاي وصل إلى بغداد فعين عماد الدين محمد بن محمد القزويني نائباً عنه وتقدم إليه بعمارة جامع الخليفة ومشهد موسى الكاظم ومحمد الجواد، وفي عام 769 هـ قام السلطان الجلائري بتعمير الكاظمية وبنى قبتين ومنارتين وأمر بوضع صندوقين، وفي عام 703 هـ، دخل تيمور بغداد للمرة الثانية بعد محاصرة دامت أربعين يوماً وخرج منها لزيارة الكاظمية، وفي عام 914 هـ الخامس والعشرين من جمادي الثاني دخل الشاه إسماعيل الصفوي بغداد وزار الكاظمية وأنعم على خدمه وأمر بأن تكون المنائر أربع، وأنشأ جامعاً لا يزال عامراً يعرف بالجامع الصفوي، وقد جاء في التاريخ ما نصه: بسم الله الرحمن الرحيم، أمر بإنشاء هذه العمارة الشريفة سلطان سلاطين العالم ظل الله على جميع بني آدم ناصر الدين الجليل الأحمدي رافع أعلام الطريق المحمدي أبو المظفر الشاه إسماعيل بن الشاه حيدر بن جنيد الصفوي الموسوي خلد الله ألوية الدين المقيم في مكة وسلطانه وأيده بنسف قواعد أهل الضلال بحجته وبرهانه، وحرر ذلك في تاريخ ربيع الثاني عام 929 هـ الهلالية، وفي عام 941 هـ الرابع والعشرين من جمادى الأول دخل سليمان القانوني بغداد قائماً وزار الكاظمية وأمر بإكمال ما لم يكمل من عمارتها وفي عام 978 هـ أكمل بناء المنارة على صحن الكاظمية، وفي عام 1033 هـ أمر الشاه عباس الكبير بعمل ضريح من الفولاذ لحفظ الصندوق في الخاتم. وفي عام 1042 هـ حدث غرق في بغداد والكاظمية فتضعضعت جدران الحضرة فأمر الشاه صفي بترميم ما اختل تعميره وأوعز ذلك إلى أمير أُمراء شيروان. وفي عام 1047 هـ دخلها السلطان مراد الرابع بعد أن حاصرها أربعين يوماً ونهب الجنود والعساكر بلدة الكاظمية والمشهد بما فيه من قناديل الذهب والفضة، وقد صرح العزاوي في (تاريخ العراق) المجلد الرابع ص 34 بقوله: إن الجيش العثماني عندما فتح بغداد نهب ما في الحضرة الكاظمية من قناديل فضية مرصعة وبعض المزينات وفي عام 1048 هـ في الثاني عشر من رمضان زار السلطان مراد الرابع الكاظمية بعد فتح بغداد ولكنه أمر بذبح جميع الإيرانيين أينما وجدوا وكان الكثير منهم قد التجأ إلى المعسكر العثماني نفسه فقتل الجميع وكان بين المقتولين ثلاثمائة شخص كانوا قد جاءوا تلك الأيام لزيارة الكاظمية. وفي عام 1115 هـ حج بيت الله الحرام التاجر محمود آغا ومعه شباك لحرم ضريحي الكاظمين. وفي عام 1211 هـ أمر السلطان محمد الشاه الأول مؤسس الدولة القاجارية، بإحداث بناء القبتين ورؤوس المنائر وأضاف إليها ثلاث منائر أخرى على طراز المنارة السابقة التي كان قد بناها السلطان العثماني، وفي عام 1231 هـ أمر السلطان فتح علي القاجاري بتعميرات وتحسينات أخرى. وفي عام 1255 هـ اتفق الوزير معتمد الدولة على تجديد إيوان الروضة المقدسة، وفي عام 1264 هـ عمر مرقد الكاظمين الفريق نجيب باشا وقد أرخه عبد الباقي العمري بقصيدة جاء فيها: بعــــــون أصــــــــحاب العبا أرخوا شـــــــاد ســــــليم مرقد الفرقدين وفي عام 1293 هـ جدد بناء الصحن الشريف اعتماد الدولة فرهاد ميرزا ابن العباس القاجاري واستمرت التعميرات الواسعة حتى عام 1301 هـ، وفي عام 1266 هـ السابع عشر من ذي الحجة عمر السور كله بالحجر الكاشاني الملون وكسيت الساحة بالمرمر كما في (تاريخ بغداد) لمحمود شكري الآلوسي، وجاء في تاريخ العمارة ما نصه: بسم الله الرحمن الرحيم، وقع الفراغ من هذا الصحن بأمر من قصد بعمله وجه المنان وبلوغ غرفات الجنان، الجناب المستطاب الأشرف الأمجد معتمد الدولة فرهاد ميرزا أدامه الله تعالى وأعز سلطانه بحق محمد وآله الطاهرين في سنة 1178 من الهجرة النبوية المقدسة على صاحبها آلاف التحية والسَّلام وفي عام 1324 هجرية بذلت الحاجة المؤمنة بنت مشير الملك الشيرازي مقدار 250 ألف مثقال من الفضة في تكلفة الضريح المقدس، وقد نصب في اليوم الثالث من شهر جمادى الأول سنة 1324 هـ، وفي سنة 1332 هـ كانت الكاظمية مركز الحركات الإسلامية في تحرير العراق من الجيوش البريطانية التي وصلت البصرة، فكثرت الهجرة إلى الكاظمية من المجاهدين، وفي عام 1333 هـ فتح المجاهدون الذين كان يقودهم السيد المهدي الحيدري وتمكنوا من دحر الجيش البريطاني المحتل، وذلك في الخامس من ربيع الأول عام 1333 هـ، ولا تزال التعميرات والتجديدات مستمرة من مختلف وجوه المسلمين للروضة المقدسة ومنها ما حصل في عام 1387 هـ في تجديد كثير من الأبواب والتزيينات، وقد جاء على مصرع الباب الداخلي للروضة أبيات منها ما يلي: وجــــــهان للحق غير الله ما عبدا وجه منير ووجـــــه يستطير هدى هـما الجواد وموسى فاعتصم بهما فــــــفيهما الفوز دنيا والنجاة غدا هــــــما العماد لمن طاحت به عمد هما الســـــــناد لظـهر يبتغي سندا فلا غــــــرابة لـــو أن النظار وإن كاد الربـــــــيع عـلى بابيهما سجدا فــــــلا تسألني حديثاً عن مقامهما هـــــما إمــــامان إن قاما وإن قعدا فــــالزم لآل رســــــول الله تربتهم واعطف على حبهم إن تفلت العقدا وقد وصف المرقد الشريف الرحالين مشيدين بجماله منهم عبد الوهاب عزام حيث قال: (قصدنا الكاظمية وبلغنا المسجد المبارك فلما دخلنا بهرنا ما فيه من جمال وزينة، وقد لاحت فوق المسجد على جانبيه قبة ومنارتان في حلة من الذهب الوهاج وليس يوجد وصف لهذه المشاهد الجميلة). وقد قال الشيخ بهاء الدين العاملي أثناء زيارته للكاظمية في عام 1003 هـ: ألا يــــــا قـــــاصداً زوراء عـــرج على الغـــــربي مـــن تلك المقاني ونـــــعليك اخـلعن واسجد خضوعاً إذا لاحــــــــت لــــــديك الـــــقبتان فـــــتحتهما لـــــــعمرك نار موسى ونـــــور مـــــــحمد متــــــــقارنان |