النجف
النجف الأشرف: هي المدينة المقدسة الأولى في العراق تبعد عن كربلاء 75 كم، وبها مرقد الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السَّلام) وكانت الخلافة العباسية تعتني بها في بدء سلطتها، كما يروي ابن شهر آشوب في (المناقب): أن المنصور العباسي قال للإمام الصادق (عليه السَّلام): قد استدعاك أبو مسلم لإظهار تربة عليّ فتوقفت، تعلم أم لا؟ فقال الإمام (عليه السَّلام): إن في كتاب عليّ أنه يظهر في أيام عبد الله أبي جعفر الهاشمي، ففرح المنصور بذلك، ثم إنه (عليه السَّلام) أظهر التربة فأخبر المنصور وهو في الرصافة فقال: (هو الصادق فليزر المؤمن بعد هذا إن شاء الله)، وفي هذه الفترة أعني فترة انتقال الحكم من الأمويين إلى العباسيين، كان بالإمكان التوافد لزيارة الإمام (عليه السَّلام)، ورويت أحاديث كثيرة في فضل زيارته عن الأئمة خاصة الإمام الصادق (عليه السَّلام) منها قوله: (من زار أمير المؤمنين (عليه السَّلام) عارفاً بحقه غير متجبر ولا متكبر، كتب الله له أجر مئة ألف شهيد، وغفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وبعث من الآمنين، وهون عليه الحساب) وقال (عليه السَّلام): (من زار جدي عارفاً بحقه، كتب الله له بكل خطوة حجة مقبولة، وعمرة مبرورة). والنجف اليوم هي الحوزة العلمية للشيعة الإمامية قاطبة في العالم منذ عهد بعيد، وكان لهجرة الشيخ الطوسي في سنة 449 هـ إلى النجف أثر كبير في تهافت طلاب العلم إليها.
من تاريخ المزار: قال الحسين بن الحجاج المتوفى سنة 391 هـ: يـــــا صاحب القبة البيضا على النجف من زار قبرك واستــشفى لديك شــفي في سنة 170 عمّر المرقد هارون الرشيد كما جاء في (فرحة الغري) ص103، قال ابن الطحال أن الرشيد بنى على قبر عليّ بنياناً بآجر أبيض أصغر من الضريح من كل جانب بذراع، ولما كشفنا الضريح الشريف، ووجدناه مبنياً عليه تربة وجص، أمر الرشيد أن يبنى عليه قبة، فبنيت من طين أحمر وطرح على رأسها جرة خضراء وهي في الخزانة اليوم. وفي القرن الثالث جدَّد البناء محمد بن زيد الداعي المتوفى سنة 287 هـ، وفي القرن الرابع جدد البناء عمر بن يحيى القائم المتوفى سنة 350 هـ، وفي سنة 338 هـ، جدد البناء عضد الدولة البويهي المتوفى سنة 372هـ، وفي سنة 760 هـ جددها السلطان أويس بن حسن الجلائري، وفي سنة 1047 هـ جددها الشاه صفي الصفوي، وفي سنة 1155 هـ، سافر نادر شاه إلى العتبات وأمر بتعمير مرقد الإمام، كما وأمر بأن تطلى القبة بالذهب. وأرخ ذلك السيد نصرالله الحائري، الشاعر الكربلائي المتوفى سنة 1156 هـ بقوله: لهــــــــا الآي تـــتلى وتحي العلوم فيشفي غلـــــيل القــلوب الحيارى هــــــي الــــــنار الــــــكريم التـــي عليها الهــــــدى قـــد تبدى جهارا تــــــبدى سنــــــاها عيـــــاناً وقــل أنــــــست مـن جانب الطوري نارا وفي سنة 1204 هـ، جرى تجديد شباك ضريح الإمام (عليه السَّلام) من الفضة أرسله محمد خان بن حسن خان القاجاري مؤسس الدولة القاجارية. وفي سنة 1217 هـ، كانت العناية بالغة بتشييد سور محيط بالبلد لغرض صدّ هجمات الوهابيين، ولا تزال آثار هذا السور باقية حتى اليوم سنة 1385 وفي سنة 1220 هاجم آل سعود النجدي الوهابي، وأغاروا على النجف وكربلاء ونهبوا الأموال وسبوا النساء. وفي سنة 1361 هـ جددت طائفة البهرة الإسماعيلية ضريح الإمام (عليه السَّلام) بالفضة، ولا يزال موجوداً اليوم، وفي سنة 1373 هـ، الثامن من شعبان تمّ افتتاح الباب الذهبي الذي أُهدي من قبل التاجر الإيراني الحاج محمد تقي اتفاق بمسعى السيد محمد كلانتر، وأرخه الشاعر محمد علي اليعقوبي بقوله: بــــــنى مــــا الــدهر عفى كل باب فـــــهذا البـــــــاب باقٍ ليس يعفى ولا يــــــبــــــــقى مـــع التاريخ إلا عليّ الـــــدر والــــذهب المــصفى وفي سنة 1391 هـ، قام التاجر العراقي محمد رشاد ميرزا بتذهيب قبة أمير المؤمنين (عليه السَّلام) وقد بلغ عدد الصفائح 8787 قطعة. وكانت النجف ولا تزال تؤمها زرافات الوفود والزوّار والرحالة وقد وصفها الرحالة قديماً كابن جبير المتوفى سنة 580 هـ، والهروي في (الإشارات في معرفة الزيارات)، وابن بطوطة، ومما قاله ابن بطوطة في وصفها قوله: (وفي وسط القبة مصطبة مربعة مكسوة بالذهب عليها صفائح الذهب الملطوشة محكمة العمل مسمرة بمسامير الفضة قد غلبت على الخشب، بحيث لا يظهر منه شيء، وارتفاعها دون القامة، وفوقها ثلاثة من القبور أحدها قبر آدم والثاني قبر نوح، والثالث قبر عليّ. وبين القبور حسوة ذهب وفضة فيها ماء الورد والمسك وإفراغ طيب يغمس الزائر يده من ذلك ويدهن به وجهه تبركاً.
ووصفها عبد الوهاب عزام في رحلته عام 1349 هـ قائلاً: (دخلنا إلى المشهد العظيم فأطفنا به في عشية من خلال الموقف ورهبة الذكرى، ولم تمنعني روعة المقام من النظر إلى القبة الهائلة الأبصار في الحلل والبلور والذهب.
|