نويسنده: admin    بخش: الاخبار, الصفحة الأصلیة, المؤلفات    تاريخ: 22 دسامبر 2010       

sheikh

محاضرات دينية (المحاضرة الثانية) لسماحة آية الله العظمى الميرزا الشيخ جواد التبريزي قدس سره الشريف محاضرات ألقاها سماحته (قده) في رحلاته إلى مدينة كركوك في شمـال العراق لأداء وظيفـة التبليـغ أيام شبابه (قده),وكانت هذه المحاضرات قد ألقيت باللغـة التركية, فترجمت وأعيدت صياغتها لتبقى ذخراً من مآثر هـذا المرجع العظيم.

نسخة كامل للتحميل

فقرة من الخطبة الشقشقية

يقول الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) في خطبته الشقشقية المعروفة: > أما والله, لقد تقمصها ابن أبي قحافة, وإنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحا, ينحدر عني السيل, ولا يرقى إليّ الطير. فسدلت دونها ثوباً, وطويت عنها كشحاً, وطفقت أرتئي بين أن أصول بيدٍ جذاء, أو أصبر على طخيةٍ عمياء, يهرم فيها الكبير, ويشيب فيها الصغير … <(1).

بيعة المسلمين للإمام علي (ع)

بعد أن قُتل عثمان بن عفان هجم الناس على بيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) يريدون منه أن يتصدى لخلافة المسلمين. ويحدثنا الإمام (ع) في خطبته الشهيرة المعروفة بالخطبة الشقشقية عن كثرة المبايعين فيقول: >حتى لقد وطئ الحسنان<(2) فقد كان الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) رافضاً لأن يكون الخليفة بعد عثمان, وهذا مما نقله الخاص والعام.

كيف يرفض الإمام (ع) الخلافة وهي حقه؟!

فكيف نوفق بين هذا وبين ما نعلمه من جهاد الامام (ع) ودفاعه المستميت عن حقه في الخلافة بحيث ألقى خطبة بهذا الخصوص, وخرج هو والصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء (س) إلى الأصحاب يطالبانهما بالحق المغصوب. فكيف يرفض الإمام (ع) الخلافة وقد جاءته طوعاً؟! لابد أن يكون لذلك سبباً.

والسبب الذي حدا بالإمام (ع) إلى ذلك هو ما رآه من انحراف الخط الاسلامي في زمن الخلفاء إلى غير الخط الذي أراده الله ورسوله, وتنفيذ خطط وأمور غير تلك التي أرادها رسول الله | وتسليم الناس بأن الخلافة يمكن أن تقام بالدجل والكذب وقتل الخليفة السابق … الخ. فالخلافة التي يفترض فيها أن تكون منصبا إلهيا يعيّنه الله والرسول | أخذت بُعدا آخر عند الناس؛ ولذا رفض الامام (ع) الدخول في هكذا أمر.

ولكن الناس كانت تصر على أن يكون الامام (ع) هو الخليفة ويبررون ذلك بأنه (لا يوجد من هو كفؤ للخلافة غيرك ياعلي) ولو أنك لم تتصدَ لها سيتصدى لها من هب ودب ويحدث الهرج والمرج وتقع الفتنة بين المسلمين لامحالة, ولا يدفع هذه الفتنة الا أنت ياعلي ولذا فلابد ان تكون انت الخليفة.

الأسباب التي دعت الإمام (ع) لقبول الخلافة

فأكرهوا الإمام (ع) على القبول فقبل (ع) ولقبوله هذا أسباب:

أحدها: أنه لو لم يقبل لقالوا: ان علياً هو السبب في ما يحصل من فتن وتفرّق بين المسلمين؛ إذ لو قَبِلَ الخلافة لما وقعت هذه المشاكل بين الناس. فقَبِلَ الإمام (ع) الخلافة دفعاً لهذه الاتهامات التي سيتهم بها.

لماذا سكت الإمام (ع) عن حقه في الخلافة بعد وفاة الرسول |

فلنلاحظ ذلك جيداً ونلاحظ أيضاً ما يقوله الامام أمير المؤمنين (ع) في خطبته الشقشقية الواردة في >نهج البلاغة< وهو كتاب معروف عند الشيعة والسنة على حدٍ سواء, حيث يقول (ع) هناك: >أما والله, لقد تقمصها ابن أبي قحافة, وإنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحا, ينحدر عني السيل, ولا يرقى إليّ الطير. فسدلت دونها ثوباً, وطويت عنها كشحاً, وطفقت أرتئي بين أن أصول بيدٍ جذاء, أو أصبر على طخيةٍ عمياء, يهرم فيها الكبير, ويشيب فيها الصغير … <(1). فاختار (ع) طريق الصبر؛ لأنه لو شهر السيف وأعلنها حربا عواناً لما بقي أحد من شيعته الخُلص الذين لم يتجاوز عددهم آنذاك العشرة.فكان غرض الإمام (ع) هو حفظ هذه الثُلة القليلة من شيعته. وكذلك تجنب وقوع الفتنة بين المسلمين, يقول (ع) : >فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى, فصبرت وفي العين قذى, وفي الحلق شجا, أرى تراثي نهبا<(1) وهذا بيان واضح جدا من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) وهو الصادق المصدَّق بأن منصب الخلافة من حقه هو وأن القوم قد غصبوا هذا الحق ظلما وعدوانا.

الإجراءات التي قام بها الإمام (ع) بعد تسلمه الخلافة

وهكذا فإن الناس أصرّوا على أن يكون الإمام أمير المؤمنين (ع) هو الخليفة بعد عثمان, فحينما قُتل عثمان ارتفعت الأصوات من هنا وهناك وكل واحدٍ يدّعي انه أحق بالخلافة من غيره, فقَبِلَ الامام (ع) أن يكون الخليفة, ولكنه (ع) غيّر كثيرا من الأمور التي ما كان (ع) يرى أنها في مصلحة المسلمين, خصوصا بعض المفاسد الادارية التي حدثت في زمن عثمان؛ فعثمان مثلا كان قد أعطى بيت المال – و هو حق عام للمسلمين – لبعض أرحامه وأقاربه, ونصب عشيرته ولاة على رقاب المسلمين. فلما جاء الامام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) ورأى هذا الوضع الفاسد عمَد إلى تغييره من الجذور.

لماذا اختار الإمام (ع) الكوفة عاصمة له؟

ولم يرُق هذا الأمر لمعاوية (لعنه الله) فرفض البيعة للإمام (ع) فتحرك الإمام (ع) إلى الكوفة وذلك لسببين:

الأول: أن يقترب (ع) من الشام التي سيقع فيها القتال الذي هو وشيك وواقع لا محالة.

الثاني: أراد الإمام (ع) أن يقيم الخلافة الثانية للمسلمين ويبطل رأيهم في ذلك, فالعامة يعتقدون بعدم جواز قيام خلافة ثانية وإذا قامت فلابد أن تكون بعيدة عن الأولى بحيث لا تصل إليها يد الأولى. ولذا أقام الإمام (ع) خلافته في الكوفة.

عدم شرعية خلافة معاوية حتى على مباني أهل السنة

ولنسأل أخواننا أهل السنة(1): لقد كان الامام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) هو الخليفة, وكان معاوية في نفس الوقت يدّعي الخلافة لنفسه وقد أجمعت الأمة على بيعة الإمام علي (ع) >حتى لقد وطيء الحسنان< كما عبّر (ع) فقد بايعه المهاجرون والأنصار, فمن الذي بايع معاوية؟ وأيّ إجماع هذا الذي اجمعته الإمة على بيعة معاوية وليس فيه المهاجرون ولا الأنصار؟! ولذا كتب الامام (ع) لمعاوية كتابا يقول فيه: >أما بعد, فإن بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام, لأنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان, على ما بويعوا عليه, فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد, وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار …<(1) إذن معاوية خرج على الخليفة الشرعي الذي بايعه المهاجرون والأنصار وهو الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) فماذا يقول أخواننا أهل السنة في معاوية؟ وهو الذي خرج على خليفة رسول الله | وقاتله وفعل ما فعل. وكذلك قضية قميص عثمان المعروفة والجارية على الألسن.

وضع الكوفة في ذلك الزمان

وهكذا وصل الإمام علي (ع) إلى الكوفة, ولا تتصوروا أن الكوفة كانت كلها موالية للإمام (ع), مع إن الامام (ع) بيّن لهم مرارا وتكرارا بأنه هو الخليفة الشرعي وأنه هو وصي رسول الله | بالحق ومع كل هذا وذاك لم يكن في الكوفة إلا ثُلة قليلة من الشيعة المخلصين وكان بعضهم من أصحاب الإمام علي (ع) المقربين وهم ممن عرف الحق وأهله ولذا تحدث الامام (ع) إليهم ولم يتحدث لغيرهم, ولماذا لم يتحدث الامام (ع) إلى بقية الناس؟ الجواب: إن الامام (ع) لو تحدث بأنه هو الخليفة الشرعي بعد الرسول مباشرة لأدّى ذلك إلى فضح الخلفاء الثلاثة وهذا مما يؤدي إلى وقوع الفتنة بين المسلمين وهذا ما لا يريده الامام (ع).

وحتى الخوارج الذين خرجوا على الإمام (ع) وحاربوه كانوا من أهل الكوفة, ولذا عاش علي (ع) غريبا فكان إذا اشتد همه وغمه ولم يجد أحدا من أصحابه الخلص يخرج إلى الصحاري والبراري ليبث همومه لها. فالإمام أمير المؤمنين (ع) عاش من أجل الاسلام فقد شارك في الغزوات والحروب التي خاضها الرسول الأكرم | وصبر على المصائب والبلاء من أجل الإسلام ولذا يقول (ع) : >فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى, فصبرت وفي العين قذى, وفي الحلق شجا, أرى تراثي نهبا<(1).

وبنظرة خاطفة للتاريخ نرى إن الذين قتلوا الامام الحسين (ع) في كربلاء هم شيعة أبيه علي بن أبي طالب (ع) واستمر وضع الكوفة على هذا المنوال إلى زمن الامامين الباقر والصادق ‘ فقد كانت الكوفة مقراً لأبي حنيفة وكان قاضيها.

وقوع أهل السنة في التناقض

فسؤالنا لأخواننا من أهل السنة هو هذا: أنكم تقولون من وصل إلى كرسي الخلافة فلا بد من إطاعته لأنه ظل الله وخليفة رسول الله | ولا يجوز مخالفته بحال من الأحوال فلماذا خالف معاوية ؟ ولماذا خرج على خليفة رسول الله (ع)؟ ولماذا سبّب في سفك دماء المسلمين بمعاندته وتشبثه بالخلافة؟ هل يمكن أن يعتقد أحد أن فعل معاوية كان صوابا؟! خرج على أمير المؤمنين (ع), وعرّض الاسلام والمسلمين لهتك الحرمة, وصار سببا في اختلاف المسلمين وسفك دماء بعضهم للبعض الآخر. فهل هذا من الحق في شئ؟! كلا وألف كلا. بل هذا الأساس الذي أسسه بنو أمية ونحن نترك لكم الحكم يا أهل السنة وانتم احكموا في معاوية وأمثال معاوية هل كانوا على الحق أو كانوا على الباطل. أما نحن فلا نشك في أنه كان باطلا, وأنه ظلم وخان الإسلام و المسلمين.

إجماع الأمة على بيعة الإمام علي (ع) وعدم أجتماعها على من سبقه

وحتى حينما اجتمع القوم في السقيفة وانتخبوا ابا بكر خليفة للمسلمين لم يكن هناك اجماع, وهذا مما اعترف به اخواننا من أهل السنة أيضا, إذا لم يتم الاجماع الا بعد وصول أبي بكر للخلافة وبعد أن رضي الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) بتلك البيعة, وأما بالنسبة إلى بيعة أمير المؤمنين (ع) بعد مقتل عثمان فقد كان هناك إجماع تام من المهاجرين والأنصار الذين هم أهل الحل والعقد؛ حيث يعتقد إخواننا أهل السنة بأن الإجماع لا يتم إلا بهم. إذن فاحكموا أنتم وليحكم كل من يسمع في معاوية هل كان على الحق أو كان على الباطل؟

المفاسد التي ارتكبها يزيد بعد أبيه

وجاء من بعده ولده يزيد, ولم يكن أحسن من الأول حالا, فقد ارتكب هذا الأخير ما لم يرتكبه أبوه (لعنة الله عليهما) فقد قيل: إن معاوية كان قد أوصى ولده يزيد بأن لا يتعرض للحسين بن علي (ع) بأذى. ولكنه فعل ما فعل. ولم يكتفِ بذلك بل أعلن يوم عاشوراء عيدا للمسلمين. كما تفعل الحكومات في زماننا هذا فتجعل بعض المناسبات عيداً للدولة, كذلك فعل يزيد وجعل يوم عاشوراء عيدا للمسلمين. واعتبر الناس ذلك اليوم عيدا لهم وصاموا فيه؛ لا لشئ الا لأن يزيد أمرهم بذلك واعتبروا أن الصوم في هذا اليوم شكرا لله. على ماذا؟ لأن يزيد تمكن من قتل ريحانة رسول الله | وأسر أولاده؛ ولذا فلا بد من صوم ذلك اليوم شكرا على هذه النعمة!

حكم الصيام في يوم عاشوراء

ولذا نهى أهل البيت ^ عن صوم يوم عاشوراء والنهي هنا بمعنى الكراهة لكي تتميّز الشيعة عن بني أمية ولا تتشبه بهم, فمع أن الصوم من العبادات نهى عنه أهل البيت ^ بالنسبة إلى يوم عاشوراء ولو رجعتم إلى الكتب والرسائل الفقهية لوجدتم كثيرا من الأيام يستحب فيها الصوم وبعض الأيام يحرم فيها الصوم وبعضها يكره فيه الصوم ومن هذه الأيام يوم عاشوراء فقد وردت الكراهة بصيامه حذرا من التشبه ببني أمية.

ومن يترك الصيام في يوم عاشوراء وغرضه من ذلك أن لا يتشبه ببني أمية فله أجر عظيم عند الله تعالى هذا بالأضافة إلى الأيام الأخرى التي يصوم بها المؤمنون. وهنا لاحظوا جيدا فأنا لا أريد أن أقول لكم أملأوا بطونكم من الطعام في يوم عاشوراء. كلا. بل أقول حتى إذا صمتم فلا تصوموا بنفس النية التي سنها بني أمية.

سعة الأحكام وتقصير الناس في تعلمها

وهكذا بيّن لنا أئمة الهدى ^ جميع هذه الأحكام ولكننا نجهل ذلك للأسف الشديد, حتى أنهم ^ لم يتركوا مجالا من المجالات إلا وبيّنوا لنا حكمه حتى أحكام بيت الخلاء وما ينبغي وما لاينبغي فيه, فقد ذكروا استحباب تقديم الرجل اليسرى عند الدخول واليمنى عند الخروج والأمر بالعكس بالنسبة إلى دخول المسجد فتقدم اليمنى عند الدخول واليسرى عند الخروج وكيف تجلس وماذا تقول … إلى ما شاء الله تعالى من الأحكام. وهذه الأحكام لا يجوز إعمال الرأي الشخصي فيها أو تحكيم العقل في فهم عللها, بل لابد من أخذها عن أهل بيت العصمة والطهارة ومنهم الإمام امير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع), ولذا أوصى الرسول الأكرم | بالامامة والخلافة لعلي (ع) من بعده حتى تتعلم الأمة الأحكام الشرعية من منبعها الأصيل كي لا تضل عن الصراط المستقيم, هذا هو الغرض من الوصية. ولكن الأمة للأسف الشديد لم تسعَ لتحقيق هذا الغرض حتى وصل الأمر بهم أن لا يقبلوا كلام الأئمة ^ الذين نصبهم الله تعالى ورسوله | وتفرقت هذه الأمة إلى فرق شتى بعضها يقبل منهم ^ وبعضها لا يقبل, بعضها عرف الحق وأهله وبعضها الآخر لم يعرف ذلك. والله تعالى هو العالم بحقائق الأمور. وأما نحن فمكلفون بأن نتبع كلام أئمتنا ^ في هذه الدنيا, وظيفتنا هي أن نلتزم بما أوضحه الله تعالى والرسول | وأهل البيت ^ وعلينا ان نهتم بذلك قدر الإمكان ولو حصل منا بعض القصور فالله تعالى أرحم الراحمين.

ولقد سألت أحد الناس: هل تصوم؟ فأجاب: نعم. فقلت له: كم يوما تصوم في شهر رمضان؟ فقال: أنا لا أصوم في شهر رمضان بل أصوم عشرة أيام في شهر محرم. قلت له: وكيف ذلك؟! قال: هكذا علمونا وبينوا لنا أحكام الصيام!!!. هذا والله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}(1) ويقول الإمام أمير المؤمنين (ع): > لا قربة بالنوافل اذا أضرّت بالفرائض <(2)وهؤلاء الناس يعملون بالنوفل بل يصومون عاشوراء وهو من المكروهات ويتركون الفرائض الواجبة!

يا شيعة علي (ع): ما ذنب هؤلاء الذين لا يعرفون أحكام دينهم؟ لماذا لا يصلون؟ ولا يعرفون كيفية الوضوء الصحيحة؟ لماذا كل هذا التقصير في مسألة الدين؟ ما سبب ذلك؟ ليس السبب إلا قلة اهتمامنا في أمر الدين وقلة تتبعنا لشؤون المذهب. والله تعالى يقول: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}(3) ومادمنا نعتقد بأن مذهبنا هو المذهب الحق من دون مذاهب الأرض جميعاً فيجب علينا أن نسعى لنشره وأن نعلّم الناس أحكامه وتعاليمه, ونشرح لهم أصوله حتى يعرفوا حقيقيته. وإذا أدينا هذه الوظيفة سيرضى عنا أهل البيت ^ وهذه بحد ذاتها عبادة لا ينبغي تفويتها.

ولو رجعنا إلى سيرة أئمتنا كالامام زين العابدين (ع) الذي لقب بـ (سيد الساجدين) لوجدنا انهم أولوا هذه الأمور أهمية خاصة.

عودا على بدء

والنتيجة أن يزيد بن معاوية ارتكب أمورا لم يرتكبها حتى أبوه. فقد أعلن يزيد يوم عاشوراء عيدا للمسلمين! روي عن أحد الصحابة أنه قال: دخلت الشام فرأيت فيها أمورا عجيبة؛ وجدت ان أهل الشام – كبيرهم وصغيرهم طفلهم وشيخهم – قد خرجوا إلى ضواحي الشام, محتفلين ويرقصون وينشدون الأغاني, فقلت: أللشام عيد لا نعرفه؟ فالأعياد المنصوص عليها في الإسلام معينة ومعروفة, وهذا اليوم ليس واحدا منها فلا هو يوم جمعة ولا هو عيد الفطر ولا الأضحى ولا غيرها من الأعياد. فوجدت رجلا قد انفرد وكانت تبدو عليه آثار الحزن والألم, فسألته عن سبب احتفال أهل الشام وسألته عن سبب حزنه وانزوائه؟ فخاف مني ولم يجبني. فقلت له: لا تخف فأنا من أصحاب رسول الله | فأشار إليّ أن أذهب إلى بوابة الشام. فذهبت هناك ويا ليتني لم أذهب, فقد وجدت الرؤوس مرفوعة على الرماح ووجدت تلك الأقمار المنيرة محمولة على تلك الرماح. ورأيتهم وقد أدخلوا نساء الرسالة إلى مجلس يزيد بن معاوية, في ذلك المجلس الكبير الفخم حيث يجلس يزيد الذي يسمى خليفة المسلمين!.

مصيبة الإمام السجاد (ع) في الشام

ينقل الشيخ الطبرسي في >الاحتجاج<(1) بأن الامام السجاد (ع) لم ينم ليلة هانئ البال بعد واقعة كربلاء ولم يأكل طعاما أو يشرب شرابا إلا وتذكر عطش أبيه الحسين (ع) وبكى. وقد مرّ يوما بسوق القصابين فسمع القصاب يقول لولده: يا بني إسقِ الكبش قبل أن تذبحه. فسأل الإمام (ع) ذلك القصاب: أنتم لا تذبحون الكبش حتى تسقوه الماء؟ فقال القصاب: نعم يا مولاي هذه عادتنا. فتوجه الامام (ع) جهة كربلاء وخنقته العبرة وبكى وقال: ان القوم قتلوا الحسين (ع) عطشانا.

وقد أدخلوا هذا الإمام العظيم (ع) إلى مجلس يزيد والخطيب يخطب على المنبر ويتغنى بمدح معاوية وولده يزيد؛ والحال أن الخلافة هي حق الإمام (ع) وكان ذلك الخطيب يشتم الإمام علي بن أبي طالب (ع) والامام السجاد (ع) جالس ويسمع. فهذا الخطيب مأجور من قبل يزيد الذي كان جالسا في المجلس. فكان الخطيب يقول أن سبب مجئ زين العابدين (ع) وعمته زينب إلى الشام هو لقلب الأمور وإحداث الفتنة. فقال الإمام (ع) لذلك الخطيب: اشتريت مرضاة المخلوق بسخط الخالق, ثم قال ليزيد: إئذن لي بأن أقول للحاضرين كلمات فيها لله رضى وللحاضرين أجر وثواب. فأبى يزيد ولكن الحاضرين أصروا على يزيد بأن يسمح للإمام (ع) بالكلام. فقام الإمام (ع) وحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر النبي فصلى عليه وبعد ذلك عرّف نفسه للناس لأنهم لم يعرفوا بأن هذه العائلة الأسيرة هي عائلة رسول الله |.