
لقد استمرت الإجراءات القمعية التي كانت تمارسها السلطات العباسية عبر القرون المتمادية تجاه الشيعة الإمامية، ولم يختلف عصر المعتمد العباسي عما سواه من الجور والظلم والفتك, بل كانت سياسته استمراراً لسواه من الخلفاء الذين سبقوه والتي أصبحت سنة سيئة وخطة مشؤومة (استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله). وكل ذلك الإجرام الذي قام به العباسيون إزاء الأئمة الأطهار وشيعتهم، وذلك لما كان يخشاه الخلفاء من تطور الوضع لصالحهم، واتّساع نشاطهم السياسي مما قد يتمخّض عنه تغيير الوضع القائم ضد السلطات العباسية الجائرة، بل والتفاف المجتمع الإسلامي حول الإمام العسكري (عليه السلام)، فتحسّبوا أن يقوم الإمام بموقف جهادي تجاه الخليفة وسلطته الغاشمة.
وكانت أساليب السلطة العباسية تجاه الحركة الشيعية لا تتجاوز الأساليب التي ورثتها عن أمثالها في العصور السابقة، وهذه أبرزها:
المراقبة ورصد التحركات الإسلامية لأصحاب الإمام (عليه السلام) وشيعته
السجن، وكانت السلطة تعمد له للحدّ من تحركات ونشاط أصحاب الإمام (عليه السلام).
القتل، وكانت تقترفه السلطة حين لا تجد جدوى في أساليبها الاُخرى، فتأخذ بقتل رموز الشيعة وبشتى الوسائل الدموية اللاانسانية.
وبعد أن أدّى الإمام العسكري (عليه السلام) مسؤوليته بكامل الأداء تجاه دينه ومجتمعه الإسلامي وولده الإمام الحجة المهدي المنتظر (عليه السلام) نعى نفسه الزكية قبل سنة ستين ومئتين للهجرة، وأخذ يهدّئ من روع والدته (عليها السلام) قائلاً لها: (لابد من وقوع أمر الله، لا تجزعي).
وقد حصل ذلك كما أخبر (عليه السلام)، فقد اعتلّ في أول يوم من شهر ربيع الأول من ذلك العام، ولم تزل العلة تزداد يوماً بعد يوم، والمرض يستفحل ويثقل عليه حتى استشهد على يد الخليفة العباسي المعتمد الذي كان أزعجته مواقف الإمام وعلمه الثر واستقطابه الناس حوله.
فكان استشهاده في الثامن من شهر ربيع الأول في سامراء عاصمة الخلافة العباسية الجائرة.
وروي أيضاً أنّه قد سُمّ واغتيل من قبل السلطة العباسية المنحرفة، حيث دسّ السُمّ له المعتمد العباسي الذي كان يزعجه تعظيم الاُمة له، وتقديمهم له على جميع الهاشميين، من علويين وعباسيين، فأجمع رأيه على الفتك به، وقد قام بقتل الإمام (عليه السلام) عن عمد وسابق إصرار.
ودفن الإمام (عليه السلام) الى جانب أبيه الجليل الإمام الهادي (عليه السلام) في سامراء، وقبّته ومرقده الشريف مأوى وملاذ المؤمنين دون غيرهم من بقايا العباسيين، وقد ذكر المؤرخون أن سنة وفاته كانت (260 هـ)، وذكروا موضع مكانه أحياناً دون ذكر سبب وفاته.
وروى ابن الصباغ عن أحمد بن عبيد الله بن خاقان أنه قال: لما اعتلّ ابن الرضا (عليه السلام) بعث (جعفر بن علي) الى أبي: أن ابن الرضا (عليه السلام) قد اعتلّ، فركب أبي من ساعته مبادراً الى دار الخلافة، ثم رجع مستعجلاً ومعه خمسة نفر من خدم الخليفة كلهم من ثقاته ورجال دولته وفيهم نحرير. وأمرهم بلزوم دار الحسن بن علي وتعرّف خبره وحاله، وبعث الى نفر من المتطبّبين وأمرهم بالاختلاف إليه وتعاهده في الصباح والمساء. فلما كان بعدها بيومين جاءه من أخبره أنّه قد ضعف فركب حتى بكّر إليه، ثم أمر المتطببين بلزومه وبعث الى قاضي القضاة فأحضره مجلسه وأمره أن يختار من أصحابه عشرة ممن يوثق به في دينه وأمانته وورعه. فأحضرهم وبعث بهم الى دار الحسن (عليه السلام)، وأمرهم بلزوم داره ليلاً ونهاراً، فلم يزالوا هناك حتى توفي لأيّام مضت من شهر ربيع الأول من سنة ستين ومئتين. توضّح مما سبق من متابعة تاريخ الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) وموقف السلطة العباسية الظالمة منه للتخلّص من الإمام المظلوم قد دبّرت خطة من قبل الخليفة المعتمد.
فالسلام عليك يا أبا محمد العسكري يوم ولدت ويوم استشهدت,ويوم تبعث حيّاً









